نـزع السـلاح الكيميـائي:
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
لا تنطوي التسميات المستخدمة في هذه المطبوعة وشكل عرض المواد فيها على إبداء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أي رأي كان بشأن الوضع القانوني لأي بلد أو إقليم أو مدينة أو منطقة، أو بشأن سلطاتها، أو بشأن ترسيم تُخومها أو حدودها.
ISBN 90-9011772-5
Copyright © OPCW 2003
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
Johan de Wittlaan 32
2517 JR The Hague
The Netherlands
الهاتف: 3300 416 70 31+
الفاكس: 3535 306 70 31+
في 29 نيسان/أبريل 2003 أَحيت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذكرى السادسة لبدء نفاذ اتفاقية الأسلحة الكيميائية. وتُعَدُّ هذه الاتفاقية أولَ اتفاق لنزع السلاح المتعدد الأطراف يقضي بإزالة فئة كاملة من أسلحة الدمار الشامل إزالة تامة ضمن أجل محدَّد. وفضلا عن ذلك يهيَأ في الاتفاقية لضمان عدم ظهور أسلحة كيميائية جديدة عن طريق إعمال نظامِ تحققٍ صارمٍ وغير تمييزي يطبَّق على النطاق العالمي بصورة مستقلة للتأكد من عدم تحريف أوجه استخدام المواد الكيميائية المزدوجة الاستعمال.
ويتعين على المنظمة أن تنهض في إطار ولايتها بمهام تتسم بوضوح بالغ لا يشوبه أي التباس: فعليها أن تشرف على تدمير كل ما أعلن عنه من الأسلحة الكيميائية بصورة كاملة، وعلى تعطيل كافة مرافق إنتاج الأسلحة الكيميائية وتدميرها أو تحويلها لاحقا؛ وأن تقوم بتفتيش إنتاج المواد الكيميائية المزدوجة الاستعمال، وتفتيش تجهيز هذه المواد أو استهلاكها في بعض الأحيان؛ وأن تستلم الإعلانات الخاصة بنقل هذه المواد، لضمان عدم استخدام المواد الكيميائية المعنية إلا في أغراض سلمية. ويرد في هذه الطبعة الرابعة المنقحة من "نزع السلاح الكيميائي: حقائق أساسية" وصف وجيز لهذا النظام الشامل والمعقد في آن معا.
ويُرمى من كافة هذه الجهود، التي تبذلها 153 دولة طرفا تمثل أكثر من 98% من الصناعة الكيميائية العالمية و90% من سكان المعمورة، إلى تحقيق غاية بسيطة ومشتركة: ألا وهي فرض حظر أبدي على استخدام المواد الكيميائية كأسلحة. فالمواد الكيميائية السامة تعتبر من العناصر الأساسية في حياتنا اليومية، وتتعذر بدونها الممارسات الصناعية والطبية الحديثة. وقد تسنى تمييز وتناول الأنشطة المحظورة حظرا مستديما في الاتفاقية، بينما هُيئ فيها لمتابعة تسخير الكيمياء للأغراض السلمية. وتتضمن هذه الطبعة الوجيزة أيضا سردا لسيرورة العمل بالاتفاقية وتنفيذها.
وقد شهدت ست
السنوات الأولى
من عمر المنظمة
تحقيق إنجازات
عديدة، من بين
أهمها تنامي عدد
الأعضاء في المنظمة.
ففي المتوسط انضمت
دولة جديدة إلى
الاتفاقية كل
شهر تقريبا خلال
السنوات الست
الماضية. وقد جَرَدت
المنظمة أكثر
من ثمانية ملايين
وحدة من الذخائر
والعوامل السائبة
وتحققت من عدم
تحريف أوجه استعمالها؛
وتم تدمير أكثر
من
22% من وحدات الذخائر
المعنية تحت مراقبة
المنظمة. وقد بلغ
مجموع ما تم صون
أمنه من العوامل
الكيميائية الجاهزة
للاستخدام بمثابة
أسلحة مهلكة جدا
000 70 طن. وتم تدمير
أكثر من 11% من مجموع
هذه العوامل تدميرا
خاضعا للتحقق.
ودُمِّر أكثر
من ثلثي مرافق
إنتاج الأسلحة الكيميائية
سابقا أو تم
تحويلها للأغراض
السلمية. وفضلا
عن ذلك توفد المنظمة
بانتظام مفتشين
إلى مرافق الصناعة
الكيميائية.
وتضع المنظمة أيضا برامج لتوفير المساعدة والحماية للدول الأطراف في حالة تعرضها لتهديد أو لهجوم بالأسلحة الكيميائية. وتعمل المنظمة كذلك على تسهيل التعاون الدولي في تسخير الكيمياء للأغراض السلمية، دعما للمزيد من التنمية الاقتصادية والتكنولوجية في جميع الدول الأطراف.
وقد تم مؤخرا في إطار مؤتمر الاستعراض الأول تقييم التقدم الذي أحرزناه حتى تاريخه وتحديد توجهنا للسنوات الخمس المقبلة. وقد كان الدور الذي تضطلع به المنظمة يتسم بأهمية بالغة بالنسبة لأمننا المشترك وقت بدء نفاذ الاتفاقية، ولا يزال يتسم بهذه الأهمية في الوقت الراهن نظرا إلى القيمة المضافة المتأتية من مساهمتها الكبيرة في مكافحة الإرهاب على الصعيد العالمي.
وإني آمل أن تساعد هذه التوطئة إلى الاتفاقية وإلى عمل المنظمة في زيادة إدراك ضرورة نزع السلاح الكيميائي، ليَحُل على وجه السرعة اليوم الذي يمكن أن نعلن فيه تخليص العالم من هذه الأسلحة الفظيعة.
[بيان الصورة]
روخيلِـيو ابْـفِـرْتِـر
تموز/يوليه 2003
المحتويات
1- توطئة
لمحة تاريخية عن اتفاقية الأسلحة الكيميائية
لمحة تاريخية عن استعمال الأسلحة الكيميائية
عرض وجيز عن الأسلحة الكيميائية
2- لمحة تاريخية عن نزع السلاح الكيميائي
أهم الوقائع في مجال استعمال الأسلحة الكيميائية وفي مجال حظرها
3- اتفاقية الأسلحة الكيميائية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية
اتفاقية الأسلحة الكيميائية
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
4- تنفيذ نظام اتفاقية الأسلحة الكيميائية
مسؤوليات الدول الأطراف
تدمير الأسلحة الكيميائية /تحويل مرافق إنتاجها
عدم انتشار المواد والأسلحة الكيميائية
أنشطة التحقق التي تجريها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
دعم التنفيذ
المساعدة في إعداد التشريعات
التعاون الدولي
المساعدة والحماية
عالمية الاتفاقية
5- معجم المصطلحات
تـوطـئـة
لمحة تاريخية عن اتفاقية الأسلحة الكيميائية
فُتح باب التوقيع على اتفاقية استحداث وإنتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة (المعروفة باسم "اتفاقية الأسلحة الكيميائية" والمشار إليها فيما يلي باسم "الاتفاقية") إذ نُظمت مراسم للتوقيع عليها في باريس في الثالث عشر من شهر كانون الثاني/يناير 1993، فوقعت عليها 130 دولة خلال اليومين الأولين. وبعد ذلك بأربع سنوات، في نيسان/أبريل 1997، بدأ نفاذ الاتفاقية إذ بلغ عدد الدول الأطراف فيها 87 (كان تصديق 65 دولة على الأقل على الاتفاقية، ما تحقق في تشرين الثاني/نوفمبر 1996، شرطا لبدء العد العكسي لفترة الـ180 يوما اللازمة لبدء نفاذها). وفي تموز/يوليه 2003 كانت مجموعة الدول الأطراف في الاتفاقية تضم 153 دولة، وكان للاتفاقية منظمة عاملة بصورة تامة من أجل تنفيذها، هي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (المشار إليها فيما يلي باسم "المنظمة").
وقد جاءت الاتفاقية ثمرة لمفاوضات استمرت زهاء 20 عاما في نطاق مؤتمر نزع السلاح في جنيف. وكان الهدف الذي رمت إليه الدول المشاركة في تلك المفاوضات يتمثل في إبرام معاهدة دولية تحظر الأسلحة الكيميائية، وتهيئ لضمان القضاء على هذه الأسلحة في جميع أنحاء العالم. وقد تم تحقيق هذا الهدف بالفعل.
إن للاتفاقية طابعا فريدا يكمن في أنها أول معاهدة متعددة الأطراف تُحظر بموجبها فئة كاملة من أسلحة الدمار الشامل؛ ويُنص فيها على التحقق الدولي من تدمير هذه الأسلحة. وهي أيضا أول معاهدة لنزع السلاح يُتفاوض بشأنها في إطار متعدد الأطراف بكل معنى الكلمة، ما يؤتي مزيدا من الشفافية في العمل بها وفي تطبيقها بالتساوي على جميع الدول الأطراف فيها. ويُشار أيضا إلى أن الصناعة الكيميائية في شتى أنحاء العالم شاركت في التفاوض بشأن الاتفاقية مشاركة نشطة، الأمر الذي يضمن تعاونها المستمر في نطاق نظام التحقق من الصناعة بموجب الاتفاقية. وتقضي الاتفاقية بوجوب تفتيش مرافق الصناعة لضمان عدم استخدام المواد الكيميائية السامة إلا للأغراض غير المحظورة بموجب الاتفاقية.
لقد أفلح المجتمع الدولي على وجه الإجمال في إيتاء معاهدة من شأنها إتاحة التحقق من تدمير الأسلحة الكيميائية في جميع أنحاء العالم وضمان عدم انتشار هذه الأسلحة والمواد الكيميائية السامة المستخدمة في صنعها. وتشجِّع الاتفاقية أيضا على التعاون الدولي بين الدول الأطراف في تسخير الكيمياء للأغراض السلمية، وتهيئ لتقديم المساعدة والحماية إلى الدول الأطراف التي تتعرض للتهديد بالأسلحة الكيميائية أو للهجمات بواسطة هذه الأسلحة.
وقد يكون من المفيد، قبل تناول الاتفاقية بمزيد من التفصيل، الإحاطةُ بالأسباب الكامنة وراء ضرورة مثل هذه المعاهدة. فمن أين يأتي التهديد بالأسلحة الكيميائية؟
[بيان الصورة] صمام تفجير، عبوة متفجرة، فتحة للتعبئة، عبوة سائلة
[بيان الصورة] سلاح كيميائي استُخدم في الحرب العالمية الأولى
لمحة تاريخية عن استعمال الأسلحة الكيميائية
لئن كانت المواد الكيميائية قد استُخدمت كوسيلة حرب على مدى آلاف السنين (مثل استخدام السهام السامة، والقار الغالي، ودخان الزرنيخ، والأبخرة الضارة، إلخ) فإن الحرب الكيميائية الحديثة بدأت في ساحات معارك الحرب العالمية الأولى.
فخلال الحرب العالمية الأولى، أُطلقت غازات الكلور والفسجين من خراطيش في ميدان المعارك فانتشرت بفعل الرياح. ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت هذه المواد الكيميائية تُصنع بكميات كبيرة، وقد استخدمت بمثابة أسلحة خلال الفترة الطويلة التي استمرت فيها حرب الخنادق. فقد وقعت الهجمة الأولى الواسعة النطاق بواسطة غاز الكلور بتاريخ 22 نيسان/أبريل 1915 في إيبر ببلجيكا. وقد أودى استعمال شتى أنواع الأسلحة الكيميائية، وبما فيها غاز الخردل، بحياة 000 90 شخص وأوقع أكثر من مليون إصابة خلال الحرب. وقد عانى المصابون في الحرب الكيميائية من آثارها لبقية حياتهم؛ بحيث أن الأحداث التي وقعت في إيبر خلال الحرب العالمية الأولى طالت بآثارها جيلا كاملا. وعندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، بلغ ما نُشر خلالها من عوامل الحرب الكيميائية 000 124 طن. وقد تطورت وسائل إطلاق العوامل الكيميائية على مدى النصف الأول من القرن العشرين، ما فاقم مما كان لهذه الأسلحة بالفعل من قدرة مخيفة على القتل والتشويه من خلال استحداث ذخائر كيميائية في شكل قذائف مدفعية، وقذائف هاون، وقنابل جوية، وصهاريج رش، وألغام أرضية.
[بيان الصورة] معاينة أسلحة مخلّفة
بعد معاينة آثار مثل هذه الأسلحة خلال الحرب العالمية الأولى، بدا أنه ليس هناك إلا بلدان قليلة تريد أن تكون المبادرة إلى استعمال أسلحة كيميائية أشد فتكا في ميدان معارك الحرب العالمية الثانية. بيد أن بلدانا عديدة كانت تستعد للرد في حالة استخدام الأسلحة الكيميائية كوسيلة للحرب الكيميائية ضدها ردا انتقاميا بنفس النوع من الأسلحة. وقد نُشرت الأسلحة الكيميائية على نطاق واسع في معظم ساحات معارك الحربين العالميتين الأولى والثانية، مخلِّفة تركة من الأسلحة الكيميائية القديمة أو المتخلّى عنها، الأمر الذي لمّا يزل يمثِّل مشكلة فيما يخص الكثير من البلدان.
وخلال الحرب الباردة احتفظ كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي بمخزونات هائلة من الأسلحة الكيميائية، تبلغ عشرات الآلاف من الأطنان. وإن مجموع ما كان يحوزه هذان البلدان من الأسلحة الكيميائية كان كافيا لإبادة كثير من البشر والحيوانات على سطح المعمورة.
وقد استعمل العراق أسلحة كيميائية في إيران خلال حربهما في الثمانينات من القرن العشرين، واستعمل أيضا غاز الخردل والغازات المؤثِّرة على الأعصاب ضد الأكراد من سكان بلدة حلبجة، في شمال العراق، عام 1988. وقد صدمت الصورُ الفظيعة لضحايا حلبجة العالمَ إبّان المفاوضات في جنيف بشأن اتفاقية الأسلحة الكيميائية. وأما أحدث حالتين من حالات استعمال الأسلحة الكيميائية فهما حالة التسميم بالسارين في بلدة مَتسوموتو اليابانية عام 1994 وحالة الهجمة بواسطة السارين في مترو طوكيو في عام 1995، اللتين ارتكبتهما فرقة أوم شينريكيو التي تقول بوشوك القيامة. وقد لفتت هاتان الهجمتان اهتمام العالم من جديد إلى إمكانية استخدام الإرهابيين للأسلحة الكيميائية وإلى الأخطار المتمثلة في هذه الأسلحة.
إن ما أوقعته الأسلحة الكيميائية من آثار مخربة في الماضي وإمكانية استعمال عوامل كيميائية أحدث (وأشد فتكا)، لا من جانب الدول المتحاربة فحسب بل واستعمالها في سائر النزاعات العنيفة واستعمالها من جانب أطراف ليست دولا، يجعلان من الضروري ضرورةً مطلقةً بذلَ الجهود على المستوى الدولي لاستدامة حظر مثل هذه الأسلحة والعمل من أجل القضاء عليها بصورة كاملة في جميع أنحاء العالم.
عرض وجيز عن الأسلحة الكيميائية
إن السلاح الكيميائي، بحسب تعريفه التقليدي العام، هو مادة كيميائية سامة تتضمنها وسيلة إطلاق مثل القنبلة أو المقذوفة المدفعية.
وأما تعريف الأسلحة الكيميائية الوارد في الاتفاقية فهو أشمل بكثير. ففيها يُعنى بمصطلح السلاح الكيميائي أيةُ مادة كيميائية أو أية سليفة من سلائفها يمكن أن تحدث الوفاة أو الأذى أو العجز المؤقت أو التهيّج الحسي بسبب فعلها الكيميائي. ويُعتبر أيضا أن الذخائر أو غيرها من نبائط الإطلاق المصممة لإيصال الأسلحة الكيميائية إلى مرماها، سواء كانت معبأة أم غير معبأة، تمثِّل أسلحة بحد ذاتها.
ويمكن
تصنيف المواد
الكيميائية السامة
المستحدثة من
أجل صنع الأسلحة
الكيميائية أو
المستخدمة كأسلحة
كيميائية في فئة
العوامل الخانقة
أو فئة العوامل
المنفِّطة أو
فئة العوامل المؤثِّرة
في الدم أو فئة
العوامل المؤثِّرة
على الأعصاب. وأشهر
العوامل التي
تندرج في هذه الفئات
هي: العوامل الخانقة:
الكلور والفُسجين؛
العوامل المنفِّطة:
الخردل واللويزيت؛
العوامل المؤثِّرة
في الدم: سيانيد
الهدروجين؛ العوامل
المؤثِّرة على
الأعصاب: السارين،
الصومان، VX.
العوامل المؤثِّرة على الأعصاب
"العوامل المؤثِّرة على الأعصاب"، أو "الغازات المؤثِّرة على الأعصاب" كما تُدعى أحيانا، هي من بين أشهر الأسلحة الكيميائية. ويتأتى اسمها من شكل فعلها في جسم الإنسان. إنها مركَّبات عضوية فسفورية يندرج كل منها في واحدة من فئتين متميِّزتين من المواد الكيميائية: "عوامل G" (التابون، السارين، الصومان، إلخ) و"عوامل V" (VA، VG، VX، إلخ). وتتماثل عوامل Gوعوامل V من حيث مفعولها على الرغم من اختلافها من الناحية الكيميائية.
فثمة إشارات كهربائية تُرسل إلى الدماغ من شتى مواضع الجسم ومنه إليها عن طريق الخلايا العصبية (العَصابين). وثمة فجوة عند ملتقى (مشتبك) كل عُصْبونين. وتولِّد العَصابين تلقائيا ناقلا كيميائيا لتمكين النبضات الكهربائية من عبور هذه الفجوة. وثمة في شتى أجزاء الجهاز العصبي نواقل عديدة من هذا النوع، أحدها هو مادة أسيتيل كولين. وفور مرور الإشارة الكهربائية عبر الفجوة، يتم تحليل الأسيتيل كولين بالماء عن طريق التحفيز بواسطة الأنزيم أسيتيل كولين إستيراز. ويتمثل فعل العوامل المؤثِّرة على الأعصاب في تثبيط هذا الأنزيم حائلا بذلك دون تحليله لأسيتيل كولين. ويؤدي ذلك إلى شلل الخلايا العصبية السريع في جميع أنحاء الجسم. وإذا لم يسارَع إلى معالجة هذا الشلل فإنه لا يلبث أن يستتبع الوفاة.
ويمكن نشر العوامل المؤثِّرة على الأعصاب إما في شكل سائل أو في شكل محلول هوائي، مما يجعلها تُستنشق أو تُمتص عبر البشرة. ولجميع العوامل المؤثِّرة على الأعصاب درجة تسميم بالغة. فعلى سبيل المثال لا يلزم لإيقاع الوفاة أكثر من قطرة من غاز VX بحجم رأس الإبرة يتم امتصاصها عبر البشرة.
وبالطبع يُستعمل بعض المواد الكيميائية السامة أو سلائفها في الصناعة على نطاق عالمي. فعلى سبيل المثال تستخدم المواد الكيميائية السامة كمواد أولية أساسية، أو كعوامل مضادة لاستجداد الخلايا الخبيث (تمنع تكاثر الخلايا الخبيث)، أو أبخرة مطهِّرة، أو مبيدات أعشاب أو مبيدات حشرات. ولا تُعتبر مثل هذه المواد الكيميائية أسلحة كيميائية إلا إذا كانت تُنتَج أو تُخزَن بمقادير تزيد على ما يستلزمه استعمالها في أغراض غير محظورة بموجب الاتفاقية.
وقد أُريد بالاتفاقية ضمان عدم استحداث المواد الكيميائية السامة أو إنتاجها إلا لأغراض غير متصلة بالأسلحة الكيميائية. فيجب أن لا يُساء استعمال التكنولوجيا الكيميائية، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية مكلَّفة بمراقبة الصناعة الكيميائية للتأكد من ذلك. ولمساعدة المنظمة في هذه المهمة، تم في الاتفاقية تقسيم المواد الكيميائية السامة وسلائفها التي قد تُستعمل كأسلحة كيميائية أو قد تُستعمل لصنع أسلحة كيميائية إلى زُمَر أُدرجت في ثلاثة جداول. فالمواد الكيميائية المدرجة في الجدول 1 هي المواد الكيميائية التي استُعملت في الماضي بمثابة أسلحة كيميائية أو التي لا تُستعمل في الأغراض السلمية استعمالا يُذكر، فهي بالتالي تمثل الخطر المحيق بالاتفاقية أشد الإحاقة. وأما المواد الكيميائية المدرجة في الجدول 2 فهي تمثل بصورة رئيسية سلائف للمواد الكيميائية المدرجة في الجدول 1 ويُستعمل معظمها لبعض الأغراض الصناعية. وأما المواد الكيميائية المدرجة في الجدول 3 فهي تُنتَج تجاريا بكميات كبيرة لكنها استُعملت في بعض الحالات بمثابة عوامل من عوامل الحرب الكيميائية ويمكن أيضا أن تُستخدم كسلائف للمواد الكيميائية المدرجة في الجدول 1 أو في الجدول 2. وإن مرافق إنتاج العديد من المواد الكيميائية العضوية التي تُسمى المواد الكيميائية العضوية المميَّزة تخضع أيضا لمقتضيات الإعلان ولأنشطة التحقق.
وتسهيلا لتدمير الأسلحة الكيميائية والتحقق منه، تُقسم الأسلحة الكيميائية رسميا إلى ثلاث فئات. وتضم الفئة 1 العوامل الكيميائية المدرجة في الجدول 1 والذخائر المعبأة بهذه العوامل. وتضم الفئة 2 الذخائر المعبأة بمواد كيميائية سامة أخرى وسائرَ العوامل الكيميائية المحوَّلة إلى سلاح (غير المواد الكيميائية المدرجة في الجدول 1). وأما الفئة 3 فتضم الذخائر والنبائط غير المعبأة وسائر المعدات المصمَّمة خصيصا للمساعدة على إعمال الأسلحة الكيميائية. وقد حُدِّدت في الاتفاقية آجال لتدمير الأسلحة الكيميائية من كل من هذه الفئات الثلاث.
ويرد في الأقسام التالية عرض أكثر تفصيلا للجهود المبذولة على الصعيد الدولي في مجال نزع السلاح منذ القرن السابع عشر، وبنية اتفاقية الأسلحة الكيميائية ومطالها، وبنية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وسير عملها، وتنفيذ اتفاقية الأسلحة الكيميائية منذ عام 1997.
[بيان الصورة] اجتماع للمجلس التنفيذي للمنظمة، في قاعته (قاعة إيبر) في الأمانة الفنية في لاهاي
لمحة تاريخية عن نزع السلاح الكيميائي
منذ شُرع في استخدام المواد الكيميائية بمثابة وسيلة للحرب، بُذلت على الصعيد الدولي جهود للحد من استعمالها على هذا النحو. ويرقى أول اتفاق دولي يحد من استعمال الأسلحة الكيميائية إلى عام 1675، حين توصلت فرنسا وألمانيا إلى اتفاق، تم توقيعه في سترازبور، يُحظر بموجبه استعمال الرصاص السام.
وبعد ذلك بما يناهز 200 عام بالضبط (في 1874)، أُبرمت المعاهدة أو الاتفاقية التالية من هذا النوع: اتفاقية بروكسل بشأن قانون الحرب وأعرافها. وقد حُظر بموجب اتفاقية بروكسل استعمال السموم أو الأسلحة المسمومة، واستعمال الأسلحة والمقذوفات وما إلى ذلك من المواد لتسبيب معاناة لا داعي لها. وقبل نهاية القرن التاسع عشر أُبرم اتفاقٌ ثالث من هذا القبيل؛ إذ عُقد في لاهاي في عام 1899 مؤتمر معني بالسلام الدولي أفضى إلى توقيع اتفاق حُظر بموجبه استعمال القذائف المعبأة بالغازات السامة.
وغداة الحرب العالمية الأولى، التي شهد خلالها العالم فظائع الحرب الكيميائية الواسعة النطاق، تكثفت الجهود الدولية الرامية إلى منع استعمال الأسلحة الكيميائية والحيلولة دون إيقاع مثل هذه المعاناة مرة أخرى بالجنود وبالمدنيين. وقد آتت هذه العزيمة العالمية المتجددة نتيجة تمثلت في بروتوكول جنيف لعام 1925 الخاص بحظر استعمال الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات، ووسائل الحرب الجرثومية.
[بيان الصورة] جنود مرتدون أقنعة واقية من الفُسجين خلال الحرب العالمية الأولى (من صور وكالة Corporate Press Inc.)
[بيان الصورة] إيراني من ضحايا استعمال الأسلحة الكيميائية يتلقى العلاج الطبي
بيد أن بروتوكول جنيف لم يحظر استحداث أو إنتاج أو امتلاك الأسلحة الكيميائية. إنه لم يحظر إلا استعمال الأسلحة الكيميائية والجرثومية (البيولوجية) في الحروب. ويُضاف إلى ذلك أن دولا عديدة شفعت توقيعها على البروتوكول بتحفظات تتيح لها استعمال الأسلحة الكيميائية ضد البلدان التي لم تنضم إليه أو الرد بالمثل في حالة تعرضها لهجوم بواسطة الأسلحة الكيميائية. ومنذ بدء نفاذ بروتوكول جنيف، أسقطت بعض هذه الدول الأطراف فيه تحفظاتها وقبلت بالحظر المطلق على استعمال الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
وفي عام 1971، أكملت لجنة الأمم الثماني عشرة المعنية بنزع السلاح (التي أطلق عليها فيما بعد اسم "مؤتمر نزع السلاح") المفاوضات بشأن نص اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة الجرثومية (البيولوجية) والأسلحة التُكسينية، التي دُرج على الإشارة إليها باسم "اتفاقية الأسلحة البيولوجية". وبالإضافة إلى الحظر المفروض بموجب بروتوكول جنيف لعام 1925، حُظر بموجب هذه الاتفاقية على الدول الأطراف فيها استحداث الأسلحة البيولوجية أو إنتاجها أو امتلاكها، بيد أنه لم يهيأ فيها لآلية للتحقق من تقيّد الدول الأطراف فيها بأحكام الحظر هذه. وقد نُص في اتفاقية الأسلحة البيولوجية على أن البلدان تتعهد بالتفاوض بشأن معاهدة دولية تحظر الأسلحة الكيميائية. وبدءا من عام 1986، انخرطت الصناعة الكيميائية العالمية بنشاط في هذه المفاوضات.
وخلافا لما كانت عليه الحال فيما يخص اتفاقية الأسلحة البيولوجية، اتفق المتفاوضون بشأن الأسلحة الكيميائية على جعل هذا الحظر خاضعا للتحقق الدولي. ولهذه الغاية أُجريت عمليات تفتيش تج&